صديق الحسيني القنوجي البخاري
455
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل المراد لا يرد بأسه في الآخرة والأول أولى ، فإنه سبحانه قد عاجلهم بعقوبات منها تحريم الطيبات عليهم في الدنيا ، والمجرمون هم اليهود أو الكفار ، وإنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمته في الاجتراء على معصيته ، ولئلا يغتروا برجاء رحمته عن خوف نقمته ، وذلك أبلغ في التهديد . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 148 إلى 149 ] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ( 148 ) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أخبر اللّه عن المشركين أنهم سيقولون هذه المقالة وقد وقع مقتضاه كما حكى عنهم في سورة النحل بقوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا [ النحل : 35 ] الخ وهم كفار قريش أو جميع المشركين يريدون أنه لَوْ شاءَ اللَّهُ عدم شركهم وعدم تحريمهم . ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ أي ما أشركوا هم ولا آباؤهم ولا حرموا شيئا من الأنعام كالبحيرة ونحوها ، وظنوا أن هذا القول يخلصهم عن الحجة التي ألزمهم بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأن ما فعلوه حق ، ولو لم يكن حقا لأرسل اللّه إلى آبائهم الذين ماتوا على الشرك وعلى تحريم ما لم يحرمه اللّه رسلا يأمرونهم بترك الشرك وبترك التحريم لما لم يحرمه اللّه والتحليل لما لم يحلله . كَذلِكَ أي مثل ما كذب هؤلاء كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار الأمم الخالية ومن المشركين أنبياء اللّه حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا أي استمروا على التكذيب حتى ذاقوا عذابنا الذي أنزلناه بهم ، وقد تمسك القدرية والمعتزلة بهذه الآية ولا دليل لهم في ذلك على مذهب الجبر والاعتزال ، لأن أمر اللّه بمعزل عن مشيئته وإرادته ولا يلزم من ثبوت المشيئة دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام . قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ أمره اللّه أن يقول لهم هل عندكم دليل صحيح يعد من العلم النافع وحجة وكتاب يوجب اليقين بأن اللّه راض بذلك فَتُخْرِجُوهُ لَنا لننظر فيه ونتدبره ، والمقصود من هذا التبكيت لهم لأنه قد علم أنه لا علم عندهم يصلح للحجة ويقوم به البرهان . ثم أوضح لهم أنهم ليسوا على شيء من العلم فقال : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ الذي هو محل الخطأ ومكان الجهل وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ أي تتوهمون مجرد توهم فقط كما يتوهم الخارص وتقولون على اللّه الباطل وقد سبق تحقيقه . قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ على الناس أي التي تنقطع عندها معاذيرهم وتبطل